السياسة

مواكبات نقدية للثورة

صدرت الطبعة الأولى من كتاب “مواكبات نقدية للثورة” أواخر سنة 2021، وهو مجموعة من نصوص ومقالات نقدية واكبت الثورة السورية التي يرى الكاتب بأنها تعرَّضت إلى ما يشبه “التصفية الفكرية”.

من الكتاب، وتحت عنوان “التصفية الفكرية للثورة”، نقرأ:

عقيد ركن من جيش الأسد متورِّط بجرائم إبادة، أُلقيَ القبض عليه قبل أيَّام، وبدل أن يُسأل عن عدد جرائمه، سُئِلَ عن عدد الركعات والصلوات!
بعد حوالى مليون شهيد، وبعد دمار الحواضر والمدن، وبعد تهجير نصف سكَّان سوريا، يُحقَّق مع ضابط مأسور في دِينه بدل أن يُحقَّق معه في جرائمه!
الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع، لـخَّصَ بأسذج الصيغ -ولكنْ أكثرها أمانةً- حالَ الخراب الذي وصلت إليه سوريا، في مرحلةٍ تكاد تصبح عبثيةً بعدما جُرِّدتْ سابقاتها من العناوين التقدُّمية التي تظلَّلت بها الثورة السورية في مرحلتها الأولى.
وفي اختزالٍ انتهازي وغير أخلاقي، لا يجدر أن يصدر عمَّن يدَّعون بأنهم أصحاب همٍّ ثوريٍّ، انتقد البعضُ الفيديو المنشور من باب أنه «يخدم صورة النظام»!
أمَّا الذين انتقدوه بوصفه حالةَ نكوصٍ ثوريٍّ، بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة، فقد تعرَّضوا لهجومِ زمرةٍ اعتاشت على نفاقِ الجوِّ العام، تحت ذرائع -مهما اختلفت- تبقى رهينة رغبتها في استثمار الغرائز.
الجوُّ العامُّ يُـحـبِّـذُ وينبذُ. ثقافة النفاق الإعلامي هي الرائجة، وثقافة النقد منبوذة.
الجوُّ العامُّ يريد إعلاماً ممالئاً كاذباً تحت شعار «الثورية». وتلك الزمرة تفهم ذلك، وتستثمر فيه غير عابئة بالنتائج، ما دام أفرادها يعيشون خارج فيزياء المأساة وداخل دول آمنة.
الذين روَّجوا لـ«داعش» في بداياتها بذريعة «فكرية» متهافتة، عن الشمولية الدِّكتاتورية التي لا يمكن مواجهتها إلا بشمولية دينية شبيهة بـها، ها هم يعيدون الكَرَّة في الترويج لـ«جبهة النصرة» بذرائع «فكرية» ودينية أكثر تهافتاً، تاركين مـمـرَّاً واحداً إجبارياً لمعارضة الأسد، ألا وهو تأييد الجولاني!
مصطلحات «فطائس» و«تمَّ الدعس» و«تحت أقدام المجاهدين»… لـمْ تزل مستمرَّةً ومرغوبةً من قبل قطاعٍ غرَّرَ به الجهلُ حتى بات يرى في الشتيمة فعلاً ثورياً، وفي الكذب فعلاً ثورياً، وفي التلفيق فعلاً ثورياً.
لقد تعرَّضت الثورة في سوريا إلى ما يشبه «التصفية» على المستوى الفكري، ساهم فيها رعاعُ المنابر وأشباهُ المثقَّفين الذين رأوا في مسايرة الانحطاط أسرعَ الطرق للانتشار.
ولا نبالغ إذا ما قلنا بأنَّ هذه التصفية الفكرية للثورة هي التي مهَّدتْ الطريقَ لما نراه اليوم من تصفياتٍ أُخرى على المستوى السياسي، بل وحتى على المستوى العسكري.
بالطبع لـمْ تُنتجْ ثوراتُ العرب الحديثة فلاسفةً ومفكِّرين، ولكنها مع ذلك استطاعت، إبَّانَ انفجارها الشعبي، رسمَ خطوط فكرية عريضة، تتحدَّث عن الحرِّية والديموقراطية والدولة المدنية… وقد شكَّلتْ هذه الخطوطُ ما يشبه الغطاءَ النظريَّ المؤقَّت، في انتظار أن تنجح في بلورة الفلسفة الخاصة بها.
في سوريا، حتى تلك الخطوط العريضة، التي ظننا أنها كَفَتْنا شرَّ العَوَز التنظيريّ لبعض الوقت، مُحيَتْ برصاصٍ أطلقته فوَّهةُ بندقيةٍ أَخْـمَصها لـمَّا يزل عالقاً في عصرٍ ليس هو هذا العصر!
حتى صارت المجاهرة بـ«كفر الديموقراطية»، وفي القلب منها تكفير أصحاب الفكر المدنيّ، تجمعُ من المهلِّلين والمصفِّقين ما لا تجمعه أيَّـةُ فكرةٍ أخرى!
المظلومية الشعبية استُعملتْ أشنعَ استعمالٍ حين أُريد لها أن تكون مبرِّراً وغطاءً لحالة الانحطاط الثوري التي وصلنا إليها، وحين أُريدَ لها، أيضاً، أن تكون آلةً لإعادة إنتاج فكر إجراميّ مُعادٍ للحضارة، كالفكر «القاعديّ»، وفق صيغةٍ تزعم سوريَّتها، في معنى أنها تطمح إلى أن يتمَّ تقديمها كحالةٍ وطنيةٍ طبيعيةٍ!
إنَّ النقاش حول هذه المعضلة أساسيٌّ وجوهريٌّ، إلى درجة أنَّ أيَّ سؤالٍ مطروحٍ خارجه، اليومَ، لن يكون أقلَّ عبثيةً من سؤال العقيد المأسور عن عدد الركعات في صلاة المغرب.

(26 أيار 2019)

 

 

أحصل على نسختك الورقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى