محاكمة الشعر

يجمع كتاب “محاكمة الشعر” بين دفَّتيه مجموعةً من المقالات النقدية المختارة التي نشرها ماهر شرف الدين بين عامَيْ 2006 و2011.
وكما يشي العنوان، يُشكِّل نقدُ الشعر المادَّةَ الأساسَ في الكتاب، حيث ينظر إليه الناقد باعتباره “فنَّاً مصيرياً”.
من أجواء الكتاب نقرأ:
قبل أن يقول أرسطو في الشِّعر قولَه، كان سؤالُ الشِّعر سؤالَ الفلسفة.
وقبل أن تمتلك ميدوزا تينك العينَيْن اللتين تحوِّلان الأشياءَ أحجاراً، كان سؤالُ الشِّعر سؤالَ الأسطورة.
وقبل أن تُستعمَل الإلياذة كوثيقةٍ تاريخيةٍ عن حدثٍ غابرٍ، كان سؤالُ الشِّعر سؤالَ التاريخ.
وقبل اكتشافنا أنَّ ظاهرتَي المدِّ والجزر سببهما جاذبية القمر، كان سؤالُ الشِّعر سؤالَ العِلْم.
لقد كان، وسيبقى، سؤالُ الشِّعر سؤالَ كلِّ شيء: الفلسفة والأسطورة والتاريخ والعلم… وباختصار: سؤال العالَـم.
لذا نسأل: هل في وسعنا وضع الشِّعر في قفصٍ ومحاكمته؟
لطالما حاول النقَّادُ ذلك.
ولكنْ هل يَقْدِر عليه الشاعرُ حين يكون ناقداً أيضاً؟ هل يستطيع وضع القيود في يدٍ غير موجودة؟
***
يمكنُ، لمن أراد القبض على تلك اللحظة السحرية في كتابة القصيدة، أنْ يستلَّ ذلك المشهدَ من رواية «الموت في البندقية» للروائي الألماني توماس مان، والذي يقول فيه: «لامستْ روحَهُ، كحلمٍ، فكرةُ أن يكون في نيَّة الرجل الاعتداء على حياته. لكنَّه لم يكن قادراً إطلاقاً على التخلُّص من خَدَره، أو على الدفاع عن نفسه».
فهذا المشهد الذي يُصوِّر حال بطل الرواية مسترخياً في قارب يدور في ذهن سائقه الاعتداء عليه، يمثِّل، أجملَ تمثيلٍ، لذَّة الانقياد في عرض المجهول، وروعة الاسترخاء للمصير، مع عدم الرغبة في الدفاع عن النفس.
استسلامٌ جسديٌّ، وذهنيٌّ، لذلك الاعتداء الذي ينتظر المخيِّلة. تعطيلٌ كاملٌ للحواس عن طريق إطلاق سراحها بعد سحب الهُويَّة منها. إنَّها اللحظة السحرية لكتابة القصيدة. إنَّها الانقياد الكامل الذي ليس هنا سوى الحرِّية الكاملة، مع توقُّع الموت في كلِّ لحظة. إنَّها الشرود لحظةَ تحوُّل سَيْر المجذاف من الماء إلى الهواء إلى الرأس. إنَّها الاسترخاء في حضن الموت بطمأنينة الطفل في حضن أُمِّه.
***
كثيرون هم الذين عرَّفوا الشِّعرَ. لكنَّهم عرَّفوه بأدواته. فعلى الدوام جاء تعريف الشِّعر تعريفاً شعرياً. والذي خالف هذه القاعدة لـمْ يُؤخَذ جهده على محمل الجدِّ.
نرجسية الشِّعر تكمن في هذه النقطة تماماً، حيث لا يمكنك تعريف الشِّعر إلَّا بأدواته. ولربَّما شابَهَ الشِّعرُ هنا حالَ الله في الديانات السماوية، حيث لا يمكننا تخيُّل صورته إلا من خلال ما رَسَمَه لنا، هو، وما وصف به نفسَه في كُتُبه.
النظرية في الشِّعر هي شيءٌ مضادّ لطبيعته المنفلتة.
النظرية في الشِّعر أشبه بالعمل العدوانيّ ضدَّ الطبيعة. صيغةٌ تجريديةٌ لتحطيب الغابات أو إنشاء المقالع الصخرية في الجبال لبناء المدن الحديثة.
ومهما بلغت النظرية النقدية في الشِّعر من إحكام السَّبْك وسَبْر الغَور لن تعدوَ كونها قطعة نقود تُلقى في عرض البحر.
***
لا وظائف للشِّعر. ولذا لا وظيفة للشاعر.
ليس الشاعر خطيباً بليغاً فيعظ الناس، أو مُصلِحاً، أو قائداً، أو وجيهاً، أو مناضلاً ملتزماً.
أمَّا ذلك الشاعر الـمُصرُّ على وظيفةٍ يقوم بها في شعره فلن يكون بعيداً جداً عن المكان الذي يقف فيه مصوِّرٌ رياضيٌّ متخصِّصٌ بالتقاط الصور المثيرة للاعبات كرة التنس حين يقفزن في الهواء.
الكتابة عن «أغراض» في الشِّعر الحديث ضربٌ من ضروب الرِّياء النقديِّ، إذا أجازت اللغةُ تعبيراً كهذا، مثلما كان الحديث عن «أغراض» في الشعر العربي القديم شأناً مدرسياً تعليمياً لا يعني النقدَ ومذاهبه.
لا وظائف للشِّعر. لا أغراض، ولا قضايا سوى الشِّعر نفسه.
وإذا كان الشِّعر «مهنة» الشاعر فهو على مثال ما يكون المرضُ «مهنةَ» المريض.
في العام 1964، زمن الاتحاد السوفياتي، تعرَّض الشاعر الروسيّ جوزف برودسكي، الحائز على «جائزة نوبل للآداب»، إلى أغرب محاكمة في التاريخ: محاكمة شاعر بتهمة البطالة!
– ما هي مهنتك؟
– شاعر.
– هذا لا يهمُّنا. نريد معرفة اسم المؤسَّسة التي تعمل فيها.
حُكِمَ على الشاعر الروسيّ بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقَّة!
لقد كانت محاكمة برودسكي -على الرغم من تسييسها الواضح- محاكمةً مجتمعيةً للشِّعر، قبل أن تكون محاكمةً سياسيةً للشاعر.
(6 أيار 2006)