مفاتيح

صدرت الطبعة الأولى من كتاب “مفاتيح” أواخر سنة 2021.
أخذ الكتابُ عنوانَه من اسم الزاوية الشهيرة التي كان ماهر شرف الدين ينشر فيها مقالاته في موقع “زمان الوصل” بين سنتَيْ 2018 و2021. تتناول مقالات الكتاب شتَّى القضايا والأحداث السياسية التي شغلت الرأي العام السوري في تلك السنوات، بمبضع التحليل السياسي، المُضاء بخلفية ثقافية، تاريخية، وأدبية.
تحت عنوان “هزيمة الملعب وهزيمة المدرَّجات” نقرأ:
في مشهدٍ، لا أَحسبُ أنَّ له نُسَخاً كثيرةً في تاريخ الشعوب، يُشجِّع ملايينُ السوريين المنتخبات التي تلعب ضدَّ المنتخب السوري لكرة القدم! بل ويحتفلون بخسارة «منتخبهم»!
وقد بلغت «المفارقة» أقصاها في مباراة سوريا والأردن، قبل أيَّام، حين راح بعض السوريين يُصوِّرون أنفسهم وهم يُشجِّعون فريق الأردن ويرقصون لفوزه على فريق بلادهم الذي صنعوا له هاشتاغاً خاصاً بعنوان «فريق البراميل».
لكنَّ هذه «المفارقة» تغدو أمراً «طبيعياً» حالما يطَّلع المرءُ على أجزاء المأساة السورية. حالما يعرف بأنَّ الفريق الذي يحمل عَلَم بلادهم هو في حقيقة الأمر ليس سوى جزءٍ من الماكينة الإعلامية لإعادة إنتاج صورة النظام السياسي الذي صنع مأساتهم. حالما يعرف بأنَّ الكرة التي تتهادى بين أرجل اللاعبين ليست سوى الرأس المقطوع لمستقبلهم!
بين لاعبي الفريق نجومٌ هلَّلَ لهم سوريُّو الثورة حينما أعلنوا موقفاً أخلاقياً -اتَّضح بأنه كان انتهازياً- سرعان ما تراجعوا عنه بعد انقلاب الميزان العسكري.
اللاعبون العائدون إلى «حضن الوطن» (وهو التعبيرُ الرسميُّ الذي اختاره إعلام النظام عنواناً لعودة المعارضين التائبين)، والذين سبقَ لأحدهم أن أقسمَ بأنه لن يلعب في صفوف المنتخب السوري إلَّا بعد سقوط النظام… أقول بأن هؤلاء اللاعبين لـمْ يعودوا للعب فحسب، بل قدَّموا قمصانهم وصدورهم لتكون أوتوغرافات يُوقِّع عليها بشار الأسد!
لاعب مثل عمر السومة، ابن مدينة دير الزور، كان يتراءى لأبناء مدينته وهوَ يركل الكرةَ وكأنما هوَ يركل حجراً من حجارة بيوتها المهدَّمة!
لاعب مثل فراس الخطيب، ابن مدينة حمص، كان يتراءى لأبناء مدينته وهوَ يركل الكرة وكأنما هوَ يركل جرحاً من جراحهم وقهرهم وتهجيرهم!
لا يمكن تصوُّر المرارة التي ذاقها إنسانٌ حتَّى يتمنَّى الهزيمة لفريق بلاده.
نحن الجيل الذي عاش حلماً قصيراً بإمكانية تأهُّل سوريا إلى مونديال 1986، سنحمل في ذاكرتنا، إلى القبر، لحظات فرحنا العارم بهدف منتخبنا في مرمى البحرين، ولحظات حزننا العارم، بعد ذلك، بهزيمة منتخبنا أمام العراق.
نحن الذين ألصقنا صور اللاعبين على زجاج الفاترينات في بيوتنا، ما الذي أوصلنا إلى هنا؟ ما الذي أوصل السوريَّ إلى تمنّي الهزيمة لمنتخبٍ كان يُصلِّي من أجل انتصاره؟
إنه الاستبداد ولا شيء سواه. إنه الجواب الشامل لكلِّ أسئلة المأساة السورية. إنه مركبنا للوصول إلى الحضيض، ومركبنا للوصول إلى ما نحن عليه:
سوريون مهزومون على المدرَّجات… يشمتونَ بسوريين مهزومين على أرض الملعب!
(14 كانون الثاني 2019)
