شعراء العرب في بلاط الدروز
في سبيل إعادة توثيق تلك الصورة الأيقونية الثورية التي كانها الدروز في تاريخ المشرق العربي، باعتبارهم عَصَبَ الثورات وقادتها ووقودها، يأتي كتاب “شعراء العرب في بلاط الدروز” جامعاً بين دفَّتَيْه أجملَ وأجزلَ القصائد التي قالها كبارُ شعراء العرب، وشعراءُ الصفِّ الذي يلي صفَّهم، حول الدروز وثوراتهم وشجاعتهم وأخلاقهم، في حلَّةٍ أنيقةٍ مُحقَّقةٍ تتوجَّه إلى الأجيال الجديدة التي باتت أكثر خضوعاً لسلطة الميديا الموجَّهة المُضلِّلة، لا سيما وأننا نعيش -في هذه الفترة التي وصلَ بها رعاعُ الإسلاميين وأخلاطهم إلى السلطة- أكبرَ حملةٍ لتزوير التاريخ وتحريفه وقلب وقائعه، في بلاد الشام، تستهدفُ تاريخ الدروز على وجه الخصوص، لأنه التاريخ الأكثر إحراجاً لمستهدفيه، باعتباره تاريخ الطليعة الثورية ضدَّ المستعمرين في الحقب كافَّةً (الحقبة العثمانية، ثمَّ حقبة إبراهيم باشا المصري، فالحقبة العثمانية مجدَّداً – متخلَّلةً بالثورة العامِّيَّة ومختومةً بالثورة العربية الكبرى، ثمَّ الحقبة الفرنسية، وأخيراً حقبة الاستقلال وما سُمِّيَ جُزافاً بالدول الوطنية).
كبار الشعراء من أمثال: أحمد شوقي، ومعروف الرصافي، وخير الدين الزِّرِكْلي، ومحمد البزم، والقروي، ومارون عبُّود، وغيرهم العشرات تشاركوا في تلك الحالة الإلهاميَّة العامَّة التي خَلَقَها نضالُ الدروز لدى الشعوب العربية التوَّاقة للاستقلال في ذلك الزمن. بل إنَّ عديداً من هؤلاء الشعراء عابوا في قصائدهم -إلى حدِّ الهجاء- على بقية العرب صمتَهم وتقاعسهم، بينما كان الدروزُ يواجهون المستعمرين لوحدهم.
لقد كانت «الثورة السورية الكبرى»، مثلاً، درزيةً إلى درجة أن اسمها التاريخيَّ الأصليَّ كان «الثورة الدرزية»! وقد وردَ هذا الاسم في عديدٍ من الوثائق والمؤلَّفات التاريخية، وهذا الكتابُ يتضمَّن بعضاً من تلك النماذج. ويكفي أن نقرأ واحداً من أهمِّ الكتب المرجعية التي دوَّنتْ -بأمانةٍ- تاريخَ تلك الثورة، وهو «الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي» لمؤلِّفه المجاهد والصحافي الحمويّ منير الريِّس، حتَّى تصدمنا حقيقةُ كم أنَّ الثورة كانت درزيةً فعلاً!
فتحتَ عنوان «كيف شُوِّهَ التاريخ؟» كتبَ الريِّس فصلاً صادماً يشرح فيه كيف أن الثورة كانت في شهورها الأولى ثورةً درزيةً خالصةً. ولكن تمَّ تزوير هذه الحقيقة من أجل الردِّ على فرنسا في «عصبة الأمم»!
إنه كتاب يُتيح للقارئ أن يُطِلَّ من شرفته على مرحلةٍ عربيةٍ مفصليةٍ كان الدروزُ نجومَ سمائها بلا منازع، إلى درجة أنهم أعادوا انتزاع الاعتراف بوطنيةِ ثوراتهم السابقة ضدَّ العثمانيين، والتي كان يُنظَرُ إليها باعتبارها مجرَّد أعمالِ تمرُّدٍ فوضويةٍ يقوم بها «الأشقياء الدروز» ضدَّ «الدولة العليَّة» القابضة على ناصية الخلافة الإسلامية.
يقول شرف الدين في المقدِّمة بأن هذا الكتاب هو «شكلٌ من أشكال التأريخ بالشعر -باعتبار القصيدة في عصرها وثيقةً، وفي أحيانٍ جزءاً من الحدث ذاته- يجمع بين دفَّتَيْه أكثر من خمسين قصيدةً، لأكثر من ثلاثين شاعراً، وقد افتتحناه بقصيدة أحمد شوقي الأشهر «سلامٌ من صَبَا بردى أرقُّ»، ليس فحسبُ لقيمةِ شاعرها المُقدَّم، بل أيضاً لانطوائها على مفارقةٍ لا تخلو من دلالةٍ يرغبُ بها مؤرِّخو القضايا الشائكة أيَّما رغبةٍ! فعلى الرغم من اشتهار هذه القصيدة بحيث إنَّك تكاد لا تجد عربياً واحداً لا يحفظُ شطراً أو بيتاً منها، إلَّا أنَّ المقطع الخاص بالدروز والجبل عُتِّمَ عليه، إعلامياً وثقافياً وتاريخياً وشعبياً (حتى لتحسب أنه غير موجود!) بتواطؤٍ عامّ يُقدِّم دليلاً -لمْ نعد نحتاجه- على الذهنية الطائفية التي تحكم رجلَ الفكر ورجلَ الشارع، على السواء، في هذه البلاد «الموبوءة» واقعاً لا مجازاً! لذلك قلنا في تقديم القصيدةِ بأنَّ حالها أشبه بحال التاريخ السوريّ ذاته! حيثُ يسطع ضوءُ المؤرِّخين أو يخفتُ، ليُضخِّم حدثاً ويُصغِّر حدثاً، لأسبابٍ غير علميةٍ ولا علاقة لها بأصول التأريخ وتدوينه».
وتابع الكاتب قائلاً بأن «العمل على مشروع هذا الكتاب قد بدأ فعلياً سنة 2015، أي أنه استغرق منِّي زمناً تجاوزَ العشرَ سنواتٍ بسنةٍ، ولكنْ بشكل متقطِّع ومتباعد، حيث إنني كنتُ -أثناء قراءاتي التاريخية أو الشعرية- كلَّما تعثَّرتُ بقصيدةٍ تدخلُ في بابِ فكرةِ الكتاب، أقوم بتحقيقها والتقديم لها ولشاعرها، وشرح ما استعصى من مغاليقها، معانيَ ومفرداتٍ، ثمَّ أركنها جانباً، أو أنشرها كُرَّاساً في موسوعتي المسمَّاة «سلسلة الجبل الوثائقي»، عارفاً بأنَّ وقتاً داهماً سيحين لجمعها في كتابٍ مرجعيٍّ كهذا الكتاب. وقد حان هذا الوقتُ سنة 2026، وأنا وأهلي محاصرون في السويداء نعاني وَعْثاء التهجير، بعد حملةٍ طائفيةٍ إباديةٍ قتلتْ وجرحتْ الآلاف من الدروز، سبقتها حملةُ شيطنةٍ شبيهةٌ بحملة الشيطنة الممتدَّة على طول الزمن العثمانيِّ الطائفيِّ، والتي نجح الدروزُ بدحضها بعد الثورة السورية الكبرى، ولكنني لستُ متأكِّداً اليوم من أن الأحفاد ما تزال لديهم الرغبة ذاتها في دحضها مجدَّداً كما فعل الأجداد قبل مئة عام».